800x600

Normal 0 false false false EN-US X-NONE AR-SA /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"Table Normal"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-priority:99; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0in 5.4pt 0in 5.4pt; mso-para-margin:0in; mso-para-margin-bottom:.0001pt; mso-pagination:widow-orphan; font-size:10.0pt; font-family:"Calibri","sans-serif"; mso-bidi-font-family:Arial;}

الشاعر  :نبيل محمود

حاورته:  بشرى رسوان

 

كلُّ جديدٍ، كانَ وعْداً، بعْدَ يأسِ  

وكلُّ وعْدٍ، صارَ عبئاً، بعْدَ بأسِ

 

 

1  كيف قضى  نبيل محمود طفولته  ؟

كانت معالم الريف تتخلل أحياء بغداد حتى الثلث الأخير من القرن العشرين، بساتين وسواقي ودجلة بحضوره المهيمن.. كنا نسكن حينها قريباً منه. وكانت الأصياف على ضفافه وتعلم السباحة فيه من أمتع الأوقات. لكن الأمر لم يكن يخلو من شظف العيش والمنغصات فأنا من عائلة بسيطة، وما كان يخفف من ذلك هو أن الفروق الاجتماعية في ذلك الوقت لم تكن كبيرة جداً. ومهما تكن قسوة الطفولة فهناك قوتان تدعمان النفس، قوة الحلم وقوة الطموح ومتى ما فقدهما الانسان فسينكسر بسهولة. خاصة قوة الحلم فهي التي نحتاجها لتحمل مشقات الحياة ومجابهة رعونتها وبشاعتها. التشبث بذلك الطفل الحالم حياً فينا هو الذي يجعلنا نتحمل أقسى الظروف. تظل حالة الطفولة بأحلامها الغضة، مهما اكتنفها من صعاب، هي النبع الذي  تتدفق منه  كل صور وتمثّلات ما يسمّى بـالعصر الذهبي.. والفردوس المفقود!

  

2لمن يقرأ   نبيل محمود وبمن تأثر ؟

أستطيع أن أقول على سبيل الدعابة إنني أقرأ لكل من يكتب! طبعاً بحدود ما يسمح به الوقت وتوفر المكتوب.. لا أضع شروطاً أو ضوابط للقراءة ولا يحتكرني كاتب محدد أو موضوع واحد..! ويبقى المحدّد الرئيس هو الوقت والظرف والمزاج.

أما قضية التأثر فتحكمه الرؤية الفكرية والجمالية للكاتب. ومبدئياً لا أقبل كاتباُ أو أرفضه بشكل مطلق.. فالقراءة علاقة تفاعلية شديدة التعقيد، ولكل مرحلة من مراحل حياة الانسان حاجاتها الحياتية والفكرية والجمالية. تأثرت في فترة الصبا بالقصص البوليسية! ويبدو أنها كانت مفيدة في تعزيز البنية المنطقية لذهني.. وفي فترة الشباب جاءت تلك الاكتشافات لعوالم الانسان الاجتماعية والنفسية للمبدعين الكبار. فديستويفسكي ونجيب محفوظ وغائب طعمة فرمان وغابرييل غارسيا ماركيز.. إلخ حفروا عميقاً في النفس آثاراً لا يمكن نسيانها. والشعر خصوصاً الحديث منه (فقد كرّهتنا المناهج التعليمية بالشعر العربي الكلاسيكي!).. وفي مرحلة لاحقة جاءت القراءة لأهم التيارات الفكرية للقرن العشرين وأقصد هنا الماركسية والوجودية والتحليل النفسي..

 

 3ماذا  يمثل لك الكِتاب؟

بإيجاز الكتاب هو أسفار في الأمكنة والأزمنة والأفكار التي لا تمهلنا حياتنا القصيرة والمحدودة الامكانية والوقت للقيام بها.. الكتاب هو كالمشاهدة الداخلية لبيوت الآخرين وغرفهم الخاصة ومعاينة عوالمهم السرية.. فيما الانسان المحروم من القراءة مسافر يكتفي بالمشاهدة الخارجية للعالم والحياة.. الكتاب هو باب ندخل منه إلى عقل العالم وقلبه!

 

 

 4كيف  ومتى تولد قصيدة  نبيل محمود ؟

القصيدة لا تولد بل تكون! ولها تاريخ قبل وأثناء الكتابة. عناصرها موجودة في العالم وفي النفس.. وتلك الشرارة والحاجة الآنية للكتابة تحدّد المسار التكويني للقصيدة. وتسهم خبرة ولغة وثقافة الكاتب في استيلاد الصور من العناصر الكامنة داخله. لا أؤرّخ قصائدي بتاريخ.. فعادة ما تستغرق القصيدة وقتاً طويلاً لتستقر في صياغتها النهائية. لا أحمل على محمل الجد ما يسمى الوحي والإلهام، فالكتابة عمل جاد ومضنٍ، بناء وهدم، نقش وشطب.. الكتابة هي إعادة الكتابة مرات ومرات..

   

 5برأيك هل توقفنا -كمجتمع-  عن القراءة؟ وما هي الأسباب  ؟

إن هذا يبدو صحيحاً جزئياً ولكن علينا ألا نغفل أن العالم يخوض تجربة معرفية جديدة، في عصر المعلوماتية والنت، ويصعب الحكم عليها الآن قبل التحقق من نتاجها ومآلاتها. يحدث هذا ومجتمعاتنا تمر بمخاض عسير وهي عالقة في عنق زجاجة، مرحلة تاريخية انتقالية حاسمة وفاصلة. أمام أختيار مصيري بين التحنط وفق تقاليد وانماط عيش وتفكير خاضعة للعصر الوسيط فالموت، أو التحوّل الجذري والحاسم إلى مجتمعات حديثة، أي الحياة وفق القانون الذهبي (التغيّر والتطور).. وأزمة العزوف عن القراءة (ضمن أزمات أخرى كثيرة وعميقة) هي عرض ومظهر لتلك المشكلة الوجودية الكبرى التي تواجه مجتمعاتنا.. فالتوقف عن القراءة هو كالتوقف عن الحياة والحلم في كل المجالات. هل نحن في حالة احتضار أو نحن بصدد ولادة  كبرى؟ شخصياً أميل للتفاؤل على المدى البعيد وإن كانت مؤشرات الحاضر والمدى المنظور القريب تدعو للتشاؤم ؟! وكما يقول جوزيه ساراماغو (الوحيدون المهتمون بتغيير العالم هم المتشائمون، فالمتفائلون سعداء بما يملكون).. فهل سنتغير؟!

 

  6هل تعتقد أننا أجرمنا بحق  الثقافة والحضارة  العربية  الضاربة  جذورها في أعماق التاريخ ؟

أرى في هذا السؤال مغالطة، فنحن أجرمنا ونجرم بحق أنفسنا وحاضرنا أولاً وقبل كل شيء! فالثقافة والحضارة تكون حين يحيا الناس حياتهم الراهنة بكل عمقها وبقدر ما يبدعون في حل مشاكلهم وبناء حياة أفضل وأجمل فأنهم يبنون صرح حضارة جديدة..  هكذا أسّس القدامى الثقافة والحضارة عندما عاشوا حاضرهم وهم يتطلعون إلى المستقبل.. فلو نظروا إلى الماضي ونماذجه لما أنجزوا شيئاً! فلماذا علينا نحن الالتفات إلى الخلف؟ ولم لا نحيا الحياة بكل عنفوانها لنخلق كما خلقوا ثقافة وحضارة جديدة؟ إن ثنائيات الأصالة/المعاصرة، التراث/الحداثة.. إلخ هي مقابلات خادعة ومضللة ومعطلة للحياة والعقل والابداع.. عيشوا حياتكم الآن وحلّوا مشاكلكم وفق شروط وحاجات المستقبل ستنجزون حضارة أرقى بكثير من حضارات الاسلاف.. فلأطرح السؤال بشكله الصحيح: لو ظل الانسان يهتدي بسلفه ويقلده كنموذج أمثل هل كان سيغادر الكهف ويسكن ناطحات السحاب ويطأ تراب القمر؟!

  

 7 هل يعتبر الشعر اليوم (ديوان العرب)  أم أن الرواية  احتلت مكانه ؟

إن استخدامنا لمصطلحات مثل (ديوان العرب) خاص بوجود اجتماعي مضمحل- قبائل وجماعات بشرية متنقلة- لوصف وجودنا الاجتماعي المختلف كلياً خطأ نظري كبير. فمجتمعات اليوم مندمجة في كيانات سياسية (دول) لها مؤسساتها وأنساقها الفكرية المختلفة جوهرياً عن الوجود الاجتماعي القديم. فالتعبيرات الأدبية باتت ذات أدوار ووظائف مختلفة. فالشعر مثلاً بات اليوم تعبيراً عن الوجدان الفردي للانسان، وهجر تلك الأغراض القديمة مثل تسجيل نشاطات القبيلة والانتصار لها، تاركاً للعلوم الاجتماعة المجال لما كانت تقوم به هي بشكل بدائي قديماً. والرواية كجنس أدبي تعبّر بأصواتها المتعدّدة عبر شخصيات متفاعلة ومشتبكة في علاقات اجتماعية ووجدانية وعاطفية معقدة في زمن متعدّد ومتشعّب.. هي كالشعر تنتمي لبيئة المدينة وإن كان الشعر ألصق بالوجدان الفردي، فالرواية منهمكة بالوجدان الاجتماعي والزمني المعقد والمتشابك.. يثري أحدهما الآخر ويمده بوسائل تعبير أكثر غنى.. وتتداخل عوالمهما ويُغني أحدهما الآخر. فالانسان لن يستغني عن الشعر ولا عن السرد. ويمكن أن نتوقع مثلاً أنهما ربما سيتداخلان ويذوبان في جنس أدبي يقدم نصاً يستوعب كل حاجات الانسان الوجدانية والجمالية. فهناك مؤشرات واضحة على تشبع الأعمال الروائية بالشعرية وحضور الخصائص السردية في بنية القصيدة الحديثة.. وهذا أمر متروك للمستقبل ولحاجات الانسان الجمالية..        

 

8دوما  كانت علاقة الأنظمة بالمفكر علاقة مبنية على القمع والتعسف، كيف ترى  حرية الرأي والتعبير في العالم العربي ونحن الان في الألفية الثالثة؟

إقامة علاقة تعارض بين المفكر/ النظام بشكل مطلق يحجب جانباً كبيراً من الحقيقة. أليس لكل نظام مفكريه الكبار أيضاً ؟! أوَ ليس أغلبية المفكرين ينطلقون من مقولات ومفاهيم النظام السائد عموماً ؟! لابد من التمييز والتحديد هنا. ففي كل نظام اجتماعي هناك ثقافتان وفكران وأكثر أحياناً، واحدة هي السائدة والمهيمنة والمتماهية مع السلطة القائمة وأغلب المفكرين ينتمون لهذا الفريق حتى الذين ينحون منحىً اصلاحياً ونقدياً بحدود معينة ولن يذهبوا إلى الحد الذي يهدّد النظام تهديداً خطيراً. وهؤلاء هم الذين يشكّلون ويوجّهون الرأي العام. أما الفريق الآخر المعارض والناقد جذرياً للنظام القائم وخاصة في حالات أزمته (وقد يحدث أن ينتقل أفراد من الفريق الأول إلى هذا الموقع حين ييأسون من النظام المأزوم وقابلية اصلاحه.) هذا الفريق من المفكرين (والذي يوصف غالباً بالمغردين خارج السرب) هو الذي يكون عرضة للقمع وأول قامعيه هم مفكرو النظام والمبرّرين له، وهم الذين يوفرون الغطاء الفكري لبطش الأنظمة بالمفكرين المعارضين. إن حرية الرأي والتعبير لن تكون مكفولة بشكل كامل إلاّ في ظل أنظمة قوية ومستقرة بحيث لن يكون لديها الكثير من العيوب الخطيرة لكي تخشى النقد فتقمع حرية الفكر والتعبير. إن الأنظمة التي تعيش في حالة أزمات عميقة وآيلة للانهيار هي التي تخشى النقد فتمارس أقسى درجات التضييق والقمع ضد حرية الفكر والتعبير. فهل أنظمة العالم العربي هي أنظمة قوية ومستقرة؟ أو هي أنظمة في حالة أزمة؟ الاجابة على هذا السؤال تجيب عن اشكالية الفكر وحريته عندنا!

     

 9برأيك هل خدم العالم الافتراضي النشر، وقطع يد الرقيب التي تمتد لقص أوراق  الكاتب ؟

إن ما يسمّى بـ (العالم الافتراضي) هو الحقيقة الأكثر إثارة في حياتنا المعاصرة. وقد تكون آثارها المستقبلية أعمق أثراً على الوعي الانساني من ظهور الطباعة والصحافة في عصر النهضة. وإذا كان هيجل قد وصف الصحف في زمانه بـ (صلاة العصر الصباحية).. فقد تكون شبكات التواصل الاجتماعي والمعلوماتية الآن هي بهجة العقل وفرحه الأكبر! فهذا الوليد سيحرّر العقل ليس من الرقابة التقليدية فحسب، وإنما سيحرّره من أعباء الحفظ والذاكرة. فبضغط مفتاح فقط تنبسط أمامنا كمية هائلة من المعلومات التي كان العقل يُنهك جزءاً هاماً منه بوظيفة الحفظ. وبمجرد الطبع على لوحة المفاتيح تحلق أفكارنا في مختلف البقاع والاتجاهات.. صرنا نكتب ونصمم وننشر بنفس سرعة التخيّل والتفكير. إننا نتجاوز ما فرضه العصر السابق من تخصص وتشتت للكلية الانسانية.. إننا نستعيد سلطات كانت قد أُستلبت منا باسم التخصص. وأمر آخر لا يخلو من أهمية فائقة لقد زال ذلك الحاجز بين الكاتب والقارئ، وتحولا إلى علاقة تفاعل فوري متجاوزين علاقة التلقي القديمة عبر وسطاء، إلى الحد الذي بات فيه القارئ أحياناً يتدخل ويعدّل النص المنشور بإرادة الكاتب إذا اقتنع برأي القارئ. إن إمكانيات هائلة تنتظر الكتابة والنشر فالأمر ما زال في بدايته!        

 

السماء في مدينتي
مشنوقةٌ بالأسلاك
والزرقة مذبوحةٌ
فوق طرقها الإسفلتيّة
والبشر آهات مكتومة

  10كيف ترى الواقع المأزوم في بلدك ؟  ومتى سينعم المواطن العراقي  بالسلام ؟

ألخّص ردّي بهذا المقطع من قصيدتي (إثم السؤال)...

(كلّما اتّسعتْ بغداد

ضاقت غرفتي واشتدّتْ غربتي!

يا عروس تاريخ  ذابل

يلاحقك مصير بابل

رغم برجها وجنائنها والزقورات    

كانوا يصعدون منها إلى الله..

إلاّ أنها لمْ تسْلمْ من الدمار

أقصى صعودها سقوط

ضيّعنا الإنسانَ ولمْ نحظَ بالإله !

جفّتْ وردتكِ بغداد

يا معشوقة التتارْ

من سيضرم، أخيراً، فيك النارْ ؟!)

 

  11ما ذا تقول عن أدونيس، محمود درويش، نزار قباني؟

قامات عالية وأضافات كبيرة في مجال الابداع الشعري والفكري. فأدونيس بالاضافة إلى قدراته الشعرية الباهرة له اسهامات فكرية بارزة مثل كتابه (الشعرية العربية) ولا يمر اسمه في ذهني إلاّ واستذكر بعض الماعاته الشعرية التكثيفية المنقوشة في ذهني مثلاً (لأنني أمشي/ أدركني نعشي)، على الرغم من قدراتي الضعيفة في حفظ الشعر!.

أما محمود درويش فهو يتنفس بلده فلسطين كما يتنفس الشعر ولا يمكن الفصل بينهما بأي شكل.. وما أروع قصائده مثل قصيدة ريتا والبندقية (إسم ريتا كان عيداً في فمي/ جسم ريتا كان عرساً في دمي).

نزار قباني صنع عالماً خاصاً بغنى ورشاقة مفرداته وصوره. وقد يؤخذ عليه أنه قد تغنّى بـ (أنوثة) المرأة أكثر من صورها الاجتماعية وحالاتها الانسانية الأخرى. لقد قدم نقداً لاذعاً لزمن التردّي العربي، وقد كانت فاجعته ببلقيس وظروف مقتلها الدموي استباقاً لما سيعم الأرض العربية من تفجّرات وانفجارات وخسارات مأساوية!

 

 12أثارت قصيدة النثر جدلا واسعا منذ بداية ظهورها فبينما يرى البعض انها دخيلة على الأدب العربي، يرى البعض الاخر انها نمط شعري جديد، برأيك هل ستصمد طويلا أم انها مجرد سحابة صيف عابرة؟

كأي جديد ستظل قصيدة النثر تجتهد لارساء أسسها وفرض رؤاها وتأكيد ضرورة وجودها. إن قصيدة النثر ليست وليدة رغبة ذاتية بل ضرورة تعبيرية فرضتها (في الغرب أو عندنا) شروط وظروف الحياة الحديثة، أقصد نشوء المدينة الحديثة. فقصيدة النثر ابنة المدينة الحديثة حالها حال الرواية. والحديث عن كونها دخيلة علينا و(استيرادها) من الغرب يماثل القول أن مدننا هي الأخرى دخيلة على حياتنا ووجودنا ؟! وعلى العقل الذي ينظر إلى قصيدة النثر من هذه الزاوية ولكي يكون متسقاً مع ذاته في أحكامه، أن يمضي إلى النهاية ويعترف أن وجودنا الحديث كله دخيل؟!.. في كتابها (قصيدة النثر.. ) (وهو الكتاب الأكثر إحاطة بموضوع قصيدة النثر وظروف نشأتها) تدقق سوزان برنار كثيراً في ظروف وشروط قصيدة النثر وقدرتها التعبيرية القادرة على التعبير شكلاً ومضموناً عن النظام والفوضى التي تتجاذب الانسان في المدينة الحديثة. إن السبق الزمني لا يعني مطلقاً السبق المنطقي!.. فبما أن المدينة الأوربية الحديثة أسبق تاريخياً من مدننا الحديثة لذا كان من الطبيعي أن تكون قصيدة النثر أسبق في الظهور لديهم. أما الارتباط السببي المنطقي الضروري فهو مرتبط بنشوء المدينة الحديثة، وليس التقليد لجنس أدبي. إن نماذج من قصيدة النثر العربية لروادها الأوائل يؤكد إنها ظاهرة نابعة من حاجة داخلية عميقة وهي مستمرة في الازدهار ما دامت هذه الحاجة قائمة. أما الاحتجاج بنماذج رديئة من التعبير (يُتوهّم) أنها تنتمي لقصيدة النثر فهي حجة متهافتة، لأن لكل جنس أدبي ولكل ابداع عموماً نسخه المقلدة والزائفة والرديئة!..

 

 13ما هي معايير الشعر الحديث؟

إن الكثير من الشعر الحديث، متخمٌ بتهويمات لفظية وتراكيب لغوية مبتكرة على صعيد الجملة. لكنّه هائم وشبحي على صعيد القصيدة. لا نكاد نلمس فيها الوحدة العضوية، فيرتبك المعنى أو يضيع. إن البناء العضوي المتماسك للقصيدة يمنعها من التبدّد في متاهات لفظية، فيقود المعنى الألفاظَ حتى التوهّج الشعري. يقول عبد القاهر الجرجاني في أسرار البلاغة (إذ الألفاظ خدم المعاني والمصرّفة في حكمها، وكانت المعاني هي المالكة سياستها، المستحقة طاعتها. فمن نصر اللفظ على المعنى كان كمن أزال الشئ عن جهته، وأحاله عن طبيعته، وذلك مظنّة الاستكراه، وفيه فتح أبواب العيب، والتعرّض للشيْن.) الألفاظ لا تبهرنا كألفاظ بل طريقة استخدامها وسياقها ومعناها المبتكر والجديد.إننا نفرّط بالشعر، والفن عموما، إذا اتّجهنا إلى البحث عن قيمة نفعية له، كما في العلوم الاجتماعية، فما يضيفه أو يغيّره الفن في الوجدان الفردي للإنسان هو خارج الحسابات الكمية. فالشعر يبعث الدفء والطمأنينة في الوجدان الفردي للإنسان المنهك في ليل الوجود الموحش, ويطلّ على الأزلي في عالم حافل بالعابر والمتغير. إن الشعر والفن عموماً يغيّر حسّنا الجمالي بالعالم..فأنا أعتقد بما أسمّيه الخلاص الجمالي.

(إن الجمال سينقذ العالم.) (ديستويفسكي)

 

   14هل تؤمن بعبارة  (أجمل  الشعر أكذبه.) ؟

الشعر بشاعره، فكيفما يكون الشاعر يكون الشعر. إن الكذب هو (حكم قيمة) وربطه بالشعر صدر من رؤية أيديولوجية وسيطية كانت تبحث عن أتباع ولا تطيق الإبداع! وتطمح إلى كبح الإبداع وتوظيفه لمصلحتها. لذلك وُصم الشعر بالغواية. أيّ بحث ودرس للشعر ينطلق من حكم القيمة لن يكون في صالح الشعر وكل ابداع عموماً. الإبداع الحقيقي الخلاق لا ينتج الكذب إنما هو يوسّع من مساحة حرية الانسان. وأهم مستلزمات هذا الفعل هو الخيال.. فهل فعل التخيّل المبدع يساوي الكذب أو هو شرط أساسي لاكتشاف الأفضل والأجمل؟. باختصار الشعر وكل ابداع يرتبط ارتباطاً ضرورياً بالحرية ولا يرتبط بأحكام القيمة التي تكرّس الوضع الراهن وتؤبده!  

15 يقول الرفاعي   عن الأنثى  (من أجل أنها أنثى قد خُلقت لتلد, خُلق لها قلب يحمل الهموم ويلدها ويربيها. )   ماذا  يقول نبيل محمود؟

بمجرد أن نطلق على المرأة لفظ (الأنثى) فقد عرفناها بيولوجياً وأنتقصنا من  كينونتها الانسانية. فهل يستسيغ أي رجل أن نخاطبه بالذكر بدل الرجل؟! لذلك لا أحبذ استخدام لفظ الأنثى الذي يعني جوهرياً المرأة ناقصاً الانسان! فلا يظل منها حينذاك سوى الأنثى!. ((يتضمّن تمجيد الطبع الأنثوي إذلالا للاّتي يتّصفن به جميعاً.)) (تيودور أدرنو، الأدب الصغير- أفكار ملتقطة من الحياة المشوهة). ففي ظل مجتمع وثقافة لم تتحول تحولاً حداثياً ناجزاً بعد، يكون التحدث عن حقوق وامتيازات المرأة من باب السجالات العقيمة.الأمر كله مرهون بنظام اجتماعي لم يتخلص بعد من التمييز بين الرجل والمرأة عل أساس الجنس، إلى جانب أشكال التمييز الأخرى على أساس العرق والثروة والسلطة.. إلخ.